عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

235

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

أعني يعلم الجليس السر المودع في القول الجاري على لسان الغائب بواسطة الهوى المشار إليه بالكلام ، فالضمير في منه يعود إلى الهوى ، والمعنى أن الله تعالى يجري على لسانه كلاماً في حال غيبته بما يريده الله تعالى يسمعه الجليس ليس باختيار من الشخص المذكور . ومن ذلك قول أبي القاسم الجنيد رضي الله تعالى عنه لما سئل أن يملي كلامه : لو كنت أجريه كنت أمليه ، وأما في حال الصحو ، فهو في نهاية المحو ينكر ذلك ، ولا يظهر منه شيئاً أصلاً لا قولاً ولا فعلاً ولا علماً ولا حالاً . متحقق بقول القائل : ومستخبر عن سر ليلى رددته * فأصبح في ليلى بغير يقين يقولون أخبرنا فأنت أمينها * وما أنا إن أخبرتهم بأمين اللهم ألا مجالس تكلم معي فيها في حال الصحو ، فكشف الخمار عن وجه كثير من مليحات المعارف والأسرار ، ولكن نادر ، وأطال البسط معي في ثلاثة مجالس . المجلس الأول مجلس إيناس وتأليف ، والمجلس الثاني مجلس تأديب وتخويف ، والمجلس الثالث مجلس تبشير وتعريف على ما سبق به القضاء من التقدير والتصريف ، وهذا المجلس الثالث هو الذي أشرت إليه في القصيدة بقولي : ولا سيما يوماً أغر مباركاً * به اليمن والبشرى بتبليغ منيتي ولعل أكثر الناس أو كثيراً منهم له معه مجالسة كثيرة ، ولا يظهر لهم منه صغيرة ولا كبيرة ، ويعرض عليه أشياء كثيرة قبل أوقاتها . من ذلك قولي في قصيدة مدحته بها : وطفت ببيت الرب قلب مطهر * من الجس من كل الصفات الدنية ومفتتح القصيدة المذكورة قولي : تخلفت يوم البين عنه بجثتي * وراحوا بقلبي يوم بانوا أحبتي وناديت والركب اليماني راحل * وعندي مقيم في الحشا حر لوعتي خليلي سيرا بلغا لي تحيتي * إلى عند سكان الربوع البهية إذا جئتما حلي ابن يعقوب بمنا * قليلاً إلى حيث العادات حلت وبثا غرامي في الربوع وقبلا * رباه وصبا دمعة بعد دمعة ومنها عند ذكر شيخنا المذكور : له أسفرت بيض الغلى عن محاسن * وقالت له : بشراك بشرى برويتي فمديت طرفي كي أراها فأسبلت * خمار الهادوني ، فمت بحسرتي